Hisham Abdul Salam Badawi
القيادة الطبيعية في الحركة الكشفية
بقلم/ هشام عبد السلام موسى
نوعان من القيادة تفرزهما الحركة الكشفية:
أولهما القيادة الطبيعية وتكون ممثلة في رؤساء السداسيات في مرحلة الأشبال، وعرفاء الطلائع في مرحلتي الكشافة والكشاف المتقدم، ورواد الرهوط في مرحلة الجوالة.
وهذا النمط من القيادة يكون في الفتية، وكما كان يقول أستاذنا المرحوم القائد عزيز بكير: أن القيادة الطبيعية تفرز ذاتها، بمعنى أنك لو وضعت مجموعة من الفتية من أي مرحلة سويا، وجلست تراقب سلوكهم من بعد ستجد أن أحدهم يسيطر تلقائيا على باقي المجموع، إما لقوة شخصيته، أو صوته الجهوري، أو لسعة خبرته، أو لقوته.
أما النمط الثاني للقيادة في الحركة الكشفية فهو القيادة المهنية، سواء الذين يؤسسون فرقا كشفية قناعة منهم بأهدافها ومبادئها، أو أولئك الذين تسند إليهم مهام قيادة فرق كشفية، فهؤلاء ما نطلق عليهم مصطلح القيادة المهنية، وقد تكون مقومات القيادة لديهم فطرية أو مكتسبة من خلال الممارسة والتجريب، والصقل والتدريب.
الكشفية متعة الفتى وفرصة القائد:
لازلنا نذكر مقولة علمنا إياها المرحوم القائد عزيز بكير؛ أن الكشفية: متعة الفتى وفرصة القائد، وذلك باعتبار أن الكشفية حركة تستهدف تربية الفتية والشباب من ناحية، ويجد القادة فيها فرصتهم لممارسة القيادة، ونقل قيم التربية إلى الفتية والشباب الذين يتولون قيادتهم، والإحساس بلذة الوصول إلى تلك الغاية من خلال الأثر التربوي والقيمي الذي يتركونه في فتيانهم.
من هو عريف الطليعة وكيف يتم اختياره؟:
عريف الطليعة هو قائد طبيعي لجماعة من الأفراد يتراوح عددهم ما بين 6 - 8 أفراد، وفي مرحلة الكشافة يتم اختياره بمعرفة أفراد طليعته، وبموافقة القائد، ويكون الاختيار مبنيا على أقدمية العريف بين أفراد الطليعة، وكذلك عدد سنوات خدمته في الحركة الكشفية، وباعتبار السن، وبمدى اكتمال مهاراته الكشفية، ورتبته، وبمدى توافقه مع أعضاء طليعته بأن يكون محبوبا بينهم.
دور عريف الطليعة ومسؤولياته:
1) يقود ويدير وينظم الطليعة بالتعاون مع أفرادها.
2) تمثيل طليعته في مجلس الشرف، ويمثل مجلس الشرف في مجلس الطليعة.
3) يقود طليعته نحو التقدم والنجاح.
4) يقوم بترشيح وتزكية أفراد طليعته المستحقين للأوسمة؛ كالحصول على رتبة أعلى في شارات الجدارة (مبتدئ - ثاني - أول)، أو ترشيح أفراد طليعته للحصول على شارات الهوايات المختلفة بعد اجتيازهم لمطاليبها.
5) يحدد الاحتياجات التدريبية اللازمة لأفراد طليعته؛ كالنقص في مهارة معينة حتى يتم معالجتها في اجتماعات الطليعة والفرقة.
6) يشارك باقي العرفاء في عملية إدارة اجتماعات الفرقة.
7) كما أنه مسئول عن الحفاظ على سمعة الطليعة والارتقاء بمستواها.
8) يتابع سجلات الطليعة وتدوين البيانات بها.
9) يتابع مالية الطليعة ويراقب أمانة الصندوق.
فلسفة القيادة والتبعية والبناء الهرمي للكشافة:
• علمنا قادتنا.. أن القائد الجيد كان يوما تابعا جيدا
• وعلمنا قادتنا.. أن القيادة يمكن أن تكون فطرية تفرز ذاتها، ويمكن أن تكون مكتسبة تصقل بالتجربة والممارسة
• وعلمنا قادتنا.. أن الكشفية هي متعة الفتى، وفرصة القائد
• وعلمنا قادتنا.. أن هناك قادة يولدون قادة، وهناك قادة يتعلمون القيادة، وهناك قادة لن يصبحوا قادة
• وعلمنا قادتنا.. أننا لا نسعى لتربية قطعانا من الأتباع؛ ولكننا نسعى لتنشئة أجيال قادرة على ممارسة القيادة بشكل سليم.
البناء الهرمي للقيادة في الحركة الكشفية:
الكشفية بناء هرمي يبدأ بالفرد الكشاف وينتهي بمنظمة كشفية عالمية تضم 50 مليون عضو يمثلون 168 دولة حول العالم، وداخل هذا البناء الهرمي هناك تدرج قيادي مبني بإحكام يبدأ من أول قيادة في الحركة الكشفية وهي قيادة الفتية، وهو ما نصطلح عليه بالقيادة الطبيعية للأفراد التي يفرزها الأفراد أنفسهم.
ففي الأشبال تنقسم الفرقة إلى سداسيات ويكون لكل سداسي مكون من ستة أفراد رئيسا لهم، يسمى رئيس السداسي، ولمجموع السداسيات سداس أكبر أو ما نسميه رئيس الفرقة، وهو أيضا من بين الأشبال في الفرقة، وبنفس النمطية تسير القيادة في مرحلة الكشافة مع اختلاف المسميات فلدينا طلائع ولكل طليعة من ثمانية أعضاء عريف للطليعة، ولمجموع الطلائع هناك قيادة طبيعية هو العريف الأول، وفي مرحلة الجوالة كذلك نجد رهوطا ولكل رهط رائد للرهط ولمجموع الرهوط رائد أكبر.
كل هؤلاء نسميهم قادة طبيعيون يتم انتخابهم أو اختيارهم وفق معايير الصلاحية المنبثقة عن السن أو الخبرة أو طول الخدمة والانتماء الكشفي، أو انتقاء الأفراد أنفسهم، ويتولون مهام قيادة الجماعات الصغيرة، والمشاركة في عمليات التخطيط والتدريب واتخاذ القرار، بأسلوب ديمقراطي يتيح للجميع المشاركة في الرأي، وتتدرج صلاحياتهم القيادية وفقا لمستوى نضج الأفراد.
وبعد هذا المستوى من القيادة يبدأ مستوى آخر هو القيادة المهنية، والتي تبدأ بمساعد قائد الفرقة، ثم قائد الفرقة الكشفية، وهما يتعاونان على تحقيق معدلات التربية الكشفية من خلال تطبيق المنهج الكشفي الخاص بكل مرحلة، والارتقاء بمستوى الأفراد في الفرقة، وإتاحة الفرص لهم لآفاق واسعة رحبة من التقدم الذاتي من خلال تطبيق نظام شارات الهواية والكفاية وتحقيق التدرج التراتبي في الكشفية.
ثم يترقى القادة بعد ذلك وبخاصة المجيدين منهم للعمل في منظومة إدارة العمل الكشفي من خلال مواقعهم الجهوية أو في مناطقهم ومحافظاتهم أو ولاياتهم، ليصبحوا مساعدين للمفوض الكشفي في المنطقة تمهيدا ليأخذوا دورهم كمفوضين، والمجيد منهم يتم تصعيده للعمل على المستوى المركزي في المهام المختلفة، سواء في التدريب أو البرامج أو العلاقات والإعلام، أو تنمية المجتمع، أو التمويل والتسويق، أو إدارة المخيمات الدائمة ومراكز التدريب، والانضمام إلى اللجان النوعية في الجمعية الكشفية بما يخدم عموم الكشافين والقادة.
وبعد أن يتمرس القائد في المهام القيادية المختلفة، ويقدم خدمات جليلة متنوعة للحركة الكشفية في بلده، يكون من الطبيعي أن يكون من بين المترشحين لقيادة الجمعية الكشفية رئيسا أو عضوا في مجلس إدارتها، أو في مهمة قيادة مركزية، وفق مهاراته وتخصصه.
هذا التسلسل الهرمي للبناء الكشفي الحقيقي هو الإطار النموذجي لإدارة الجمعيات الكشفية، الذي يتم تصعيد القيادات فيه بدأ من القيادة الطبيعية، إلى القيادة المهنية في تدرج يتم خلاله عمليات الصقل والتدريب والتزود بالمعرفة والخبرة والممارسة في مهام وأدوار مختلفة، تجعل من يقودون الجمعيات واقفين على أرض صلبة ويقف خلفهم رصيد من الخدمات التي قدموها وأجادوها، ونجاحات حققوها، وإنجازات شاهدة على عطائهم، فاستحقوا أن يكونوا على رأس الكشفية في بلدانهم.
فوائد اتباع النهج الكشفي في تربية القادة:
بدأ من القيادة الطبيعية إلى القيادة المهنية، يولد تدريبا عمليا على الممارسة الديمقراطية الحقيقية منذ مراحل مبكرة، وتدريب للأفراد على إبداء الرأي والمشاركة الإيجابية، وكذلك الاستماع للرأي الآخر وتقبله وتفهمه، في صيغة من الحوار المشترك المبني على الاحترام المتبادل، كما أن هذا الأسلوب التربوي في اختيار القيادة وتدرجها الطبيعي يعطي لكل طامح في التقدم أملا أن فرصته قادمة، وأنه يستطيع أن يحقق ذاته من خلال التدرج الطبيعي في القيادة وليس قفزا على المراحل والتدرج القيادي الطبيعي.
الحلقات الثلاث في البناء الكشفي:
الكشاف والقائد والمنهج، حلقات ثلاث ينبني عليها العمل الكشفي وتأسيسا في الفرقة الكشفية، فلا كشفية بلا قائد، ولا كشفية بلا فتى كشاف يمارسها، ولا كشفية بلا منهج تصل من خلاله التربية الكشفية إلى الفتية المستهدفين، وبتتبع الكثير من الحالات التي ندرسها أو نستقرؤها في واقعنا الكشفي نجد أن الخلل الأساسي في البناء الكشفي في أي جمعية كشفية ناتج إما عن ضعف في القيادة، أو عزوف من الفتية، أو عدم وجود المنهج الخاص بكل مرحلة أو عدم تطبيقه.
ولو أخذنا كل عنصر من هذه العناصر الثلاث على حدة لندرس إشكالاته لوجدنا عنصر القيادة مثلا من بين إشكالاته، عدم تفرغ القادة، وانشغالهم بتبعات الحياة المتزايدة، أو إثقال المعلمين منهم بجداول في المؤسسات التعليمية لا تمكنهم من إعطاء الوقت الكافي للفتية.
اشكالية ضعف القيادة:
وبالتركيز على النقطة المتعلقة بضعف عنصر القيادة، أرى أن الحل الناجح في هذه الاشكالية؟ يتمثل في إعطاء مساحة أكبر للقادة الطبيعيين لممارسة مهامهم من ناحية، وتأهيلهم بشكل جيد من ناحية أخرى، وهذا من شأنه أن يخفف من الأعباء الملقاة على كاهل القائد المهني المثقل بمشاغل الحياة، وليس معنى ذلك الاستغناء عن دوره تماما، ولكن ترك مساحة أكبر للقادة الطبيعيين بعد تأهيلهم جيدا، للعمل على تنظيم وإدارة الفرقة الكشفية.
تجربة جديرة بالتسجيل:
في بداية التسعينات من القرن الماضي، كنت أعمل موجها أول للكشافة أنا والزميل العزيز القائد/ عبد المجيد رزق في الهيئة القومية للكشافة والمرشدات بسلطنة عمان، وكانت كافة الفرق الكشفية آنذاك في قطاع التربية والتعليم وقياداتها من المعلمين، وكانت تثقلهم الجداول المدرسية فلا يكون لديهم مساحة من الوقت يعطونها للفرق الكشفية التي يقودونها، فاتبعنا استراتيجية الاعتماد الحقيقي على القادة الطبيعيين، من خلال وضع نظام تأهيل خاص للعرفاء على مستويين أساسي ومتقدم، وألزمنا كل مفوضية في خطتها بإقامة دورتين للعرفاء سنويا مدعومة مركزيا من قبل هيئة الكشافة، وأثمرت هذه التجربة عن خلق جيل جديد من القيادات الطبيعية المؤهلة من العرفاء، استطاعوا من أن يقودوا فرقهم بفاعلية ونجاح لتعويض جانب هام لا يستطيع القائد المهني أن يؤديه لظروفه، وعندما كنا نزور أي فرقة كشفية في كافة المناطق كنا نستشعر تماما مدى نضج شخصية العريف المدرب وقدرته على الإدارة الحقيقية للفرقة، وأذكر أننا وقتها أصدرنا كتابين جزء أول وثاني لتأهيل العرفاء على المستوى الأساسي والمتقدم.
ويجدر بالذكر أن هذه التجربة قد أفرزت عرفاء استمروا في سلكهم الكشفي بعد ذلك فدخلوا مرحلة الجوالة وأجادوا فيها، ثم أصبحوا قادة الآن يشار إليهم بالبنان ويتولون مهام تنفيذية في إدارة كشافة ومرشدات سلطنة عمان.
عريف الطليعة القيادة الأولى بالتأهيل:
انطلاقا مما تقدم أدعو جميع الجمعيات الكشفية والفروع التابعة لها التي تعاني من هذه المشكلة أن تعطي مساحة وافرة لعرفاء الطلائع باعتبارهم القيادات الطبيعية الأولى بالتأهيل، فلطالما أسرفنا في تأهيل القادة، وخرجنا منهم الكثير في مستويات التأهيل المختلفة من مستوى الشارة الخشبية وحتى قادة التدريب، وأتساءل أين هم؟، ولكن التدريب الحقيقي للعرفاء هو الباقي وهو الأكثر أثرا وتأثيرا للنهوض بالحركة الكشفية، فالعريف الذي يتدرب جيدا أمامه سنوات من العطاء في خدمة الحركة حتى يصبح قائدا، أما القائد الذي يتدرب وفق معايير هذا العصر فلا يعلم إلا الله أين يذهب، أو ماذا يصنع بما تدرب عليه!!!!.

إرسال تعليق